الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
246
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تكذيبكم بالبعث فيكون من تمام ما أمر النبي صلى اللّه عليه وسلّم بأن يقوله لهم ابتداء من قوله تعالى : قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [ التغابن : 7 ] . والضمير المستتر في يَجْمَعُكُمْ عائد إلى اسم الجلالة في قوله : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [ التغابن : 8 ] . ومعنى يَجْمَعُكُمْ يجمع المخاطبين والأمم من الناس كلهم ، قال تعالى : هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ [ المرسلات : 38 ] . ويجوز أن يراد الجمع الذي في قوله تعالى : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ [ القيامة : 3 ] ، وهذا زيادة تحقيق للبعث الذي أنكروه . واللام في لِيَوْمِ الْجَمْعِ يجوز أن يكون للتعليل ، أي يجمعكم لأجل اليوم المعروف بالجمع المخصوص . وهو الذي لأجل جمع الناس ، أي يبعثكم لأجل أن يجمع الناس كلهم للحساب ، فمعنى الْجَمْعِ هذا غير معنى الذي في يَجْمَعُكُمْ . فليس هذا من تعليل الشيء بنفسه بل هو من قبيل التجنيس . ويجوز أن يكون اللام بمعنى ( في ) على نحو ما قيل في قوله تعالى : لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ [ الأعراف : 187 ] ، وقوله : يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي [ الفجر : 24 ] وقول العرب : مضى لسبيله ، أي في طريقه وهو طريق الموت . والأحسن عندي أن يكون اللام للتوقيت ، وهي التي بمعنى ( عند ) كالتي في قولهم : كتب لكذا مضين مثلا ، وقوله تعالى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [ الإسراء : 78 ] . وهو استعمال يدل على شدة الاقتراب ولذلك فسروه بمعنى ( عند ) ، ويفيد هنا : أنهم مجموعون في الأجل المعين دون تأخير ردّا على قولهم : لَنْ يُبْعَثُوا [ التغابن : 7 ] ، فيتعلق قوله : لِيَوْمِ الْجَمْعِ بفعل يَجْمَعُكُمْ . ف « يوم الجمع » هو يوم الحشر . وفي الحديث « يجمع اللّه الأولين والآخرين » إلخ . جعل هذا المركب الإضافي لقبا ليوم الحشر ، قال تعالى : وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [ الشورى : 7 ] . وقرأ الجمهور يَجْمَعُكُمْ بياء الغائب . وقرأه يعقوب بنون العظمة . ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ .